الجاحظ

135

الحيوان

الإجابة والإبطاء . فلا تبعدنّ غاية الضّعيف والذّهول والقليل الصّبر على العطش ، ولا تزجلنّ ما كان منشؤه في بلا الحرّ في بلاد البرد ، ولا ما كان منشؤه في بلاد البرد في بلاد الحرّ ؛ إلّا ما كان بعد الاعتياد . ولا يصبر على طول الطيران في غير هوائه وأجوائه طائر إلا بطول الإقامة في ذلك المكان ، ولا تستوي حاله وحال من لا يعدو هواءه والهواء الذي يقرب من طباع هوائه . 738 - [ تعليم الحمام ورود الماء ] قال : ولا بدّ أن يعلّم الورود ، فإذا أردت به ذلك فأورده العيون والغدران والأنهار ، ثمّ حل بينه وبين النّظر إلى الماء ، حتى تكفّ بصره بأصابعك عن جهة الماء واتّساع المورد ، إلّا بقدر ما كان يشرب فيه من المساقي ، ثمّ أوسع له إذا عبّ قليلا بقدر ما لا يروعه ذلك المنظر وليكن معطّشا ؛ فإنّه أجدر أن يشرب . تفعل به ذلك مرارا ، ثمّ تفسح له المنظر أوّلا أوّلا ، حتى لا ينكر ما هو فيه . فلا تزال به حتّى يعتاد الشّرب بغير سترة . 739 - [ استئناس الحمام واستيحاشه ] قال : واعلم أنّ الحمام الأهليّ الذي عايش النّاس ، وشرب من المساقي ولقط في البيوت يختلّ بالوحدة ، ويستوحش بالغربة . قال : واعلم أنّ الوحشيّ يستأنس ، والأهلي يستوحش . قال : واعلم أنّه ينسى التّأديب إذا أهمل ، كما يتأدّب بعد الإهمال . 740 - [ ترتيب الزجل ] وإذا زجلت فلا تخطرف به من نصف الغاية إلى الغاية ، ولكن رتّب ذلك ؛ فإنّه ربّما اعتاد المجيء من ذلك البعد ، فمتى أرسلته من أقرب منه تحيّر ، وأراد أن يبتدئ أمره ابتداء . وهم اليوم لا يفعلون ذلك ؛ لأنّه إذا بلغ الرّقّة أو فوق ذلك شيئا فقد صار عقدة ، وصار له ثمن وغلّة . فهو لا يرى أن يخاطر بشيء له قدر . ولكنّه إن جاء من هيت [ 1 ] أدرب [ 2 ] به ؛ لأنّه إن ذهب لم يذهب شيء له ثمن ، ولا طائر له رئاسة ؛ وليس له اسم ولا ذكر ؛ وإن جاء جاء شيء كبير وخطير ، وإن جاء من الغاية فقد حوى به ملكا . على هذا هم اليوم .

--> [ 1 ] هيت : بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار معجم البلدان 5 / 421 . [ 2 ] الدرب : كل مدخل إلى الروم أو النافذ منه ، ودرّب : عوّد المشي في الدروب « القاموس : درب » .